بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْۙ ﴿١﴾

وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْۙ ﴿٢﴾

وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْۙ ﴿٣﴾

وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْۙ ﴿٤﴾

وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْۙ ﴿٥﴾

وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْۙ ﴿٦﴾

وَإِذَا الْمَوْءُ۫دَةُ سُئِلَتْۙ ﴿٧﴾

بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْۚ ﴿٨﴾

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْۙ ﴿٩﴾

وَإِذَا السَّمَٓاءُ كُشِطَتْۙ ﴿١٠﴾

وَإِذَا الْجَح۪يمُ سُعِّرَتْۙ ﴿١١﴾

وَإِذَا الْجَنَّةُ اُزْلِفَتْۙ ﴿١٢﴾

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْۜ ﴿١٣﴾

فَلَٓا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِۙ ﴿١٤﴾

الْجَوَارِ الْكُنَّسِۙ ﴿١٥﴾

وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَۙ ﴿١٦﴾

وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَۙ ﴿١٧﴾

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍۙ ﴿١٨﴾

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍۙ ﴿١٩﴾

مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍۜ ﴿٢٠﴾

وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍۚ ﴿٢١﴾

وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِۚ ﴿٢٢﴾

وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍۙ ﴿٢٣﴾

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍۙ ﴿٢٤﴾

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَۜ ﴿٢٥﴾

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَم۪ينَۙ ﴿٢٦﴾

لِمَنْ شَٓاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴿٢٧﴾

وَمَا تَشَٓاؤُ۫نَ إِلَّٓا أَنْ يَشَٓاءَ اللّٰهُ رَبُّ الْعَالَم۪ينَ ﴿٢٨﴾

تفسير سورة التكوير الآيات 1-29


الفصل 81

والذي أُنزل في مكة المكرمة

ما الذي رُوي عن هذه السورة؟

روى الإمام أحمد عن ابن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال:

«من أراد أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه يراه بعينيه، فليقرأ: "إذا الشمس كورت" (81:1)، و"إذا السماء انفطرت" (82:1)، و"إذا السماء انشقت" (84:1)» (أحمد 2:27)

وكذا رواه الترمذي بهذا الحديث. (تحفة الأحوذي 9:252)

بسم الله الرحمن الرحيم.

{1.إذا الشمس كُوِّرَت.

2. وعندما تظهر النجوم إنكادارات.

3. وحين تُسيَّر الجبال؛

4. وعندما يتم إهمال الإبل الحوامل؛

5. وعندما تجتمع الوحوش البرية معاً.

6. وعندما تصبح البحار كالنار المشتعلة.

7. وإذا النفوس زُوِّجت.

8. وعندما يتم استجواب الرضيعة التي دُفنت حية

9. على أي ذنب قُتلت

10. وعندما تُفتح الصفحات.

11. وعندما تكون السماء كوشيتات؛

12. وعندما يكون الجحيم هو سويرات.

13. وعندما تقترب الجنة.

14. كل شخص سيعرف ما أحضره.

ما سيحدث يوم القيامة، وهو انطواء الشمس

روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «إذا الشمس كُوِّرَت»، أي: أُظلِمَت. (الطبري 24:237) وروى العوفي عن ابن عباس: «ذهبت». (الطبري 24:238) وقال قتادة: «ذهب ضوؤها». وقال سعيد بن جبير: «كُوِّرَت تعني غاصت». (الطبري 24:238) وقال أبو صالح: «كُوِّرَت تعني أُلقيت». والتكوير هو ضمّ جزء من الشيء إلى جزء آخر منه، أي لفّه. ومنه لفّ العمامة (الإمامة) وطيّ الثياب بعضها على بعض. وعليه، فمعنى قوله تعالى «كُوِّرَت» أن جزءًا منها يُلفّ على جزء آخر منها، ثم تُطوى وتُلقى.

إذا حدث هذا لها، انطفأ نورها. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:


«تُطوى الشمس والقمر يوم القيامة.» (فتح الباري 6:343)

انفرد البخاري برواية هذا الحديث، وهذا لفظه.


تفرّق النجوم

"وإذا سقطت النجوم وتناثرت" أي عندما تتفرق. وهذا ما قاله الله تعالى: "وإذا سقطت النجوم وتناثرت" (82:2). وأصل كلمة "إنكادار" هو "إنساباب"، أي أن تُسكب.

روى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه قال: «ستّ علامات قبل يوم القيامة: يكون الناس في أسواقهم حين يغيب نور الشمس، فيكونون كذلك، فتتناثر النجوم، وتنهار الجبال على وجه الأرض، وتضطرب الأرض وتضطرب، فيهرب الجنّ إلى الإنس، ويهرب الإنس إلى الجنّ، وتختلط الوحوش والطيور والبهائم، فتتزاحم معًا. «وإذا اجتمعت البهائم» أي اختلطت، «وإذا هجرت النُقُل الحوامل» أي هجرها أصحابها، «وإذا صارت البحار كالنار» ثم قال أبي: «يقول الجنّ: قد أتيناكم ببشارة». فيذهبون جميعًا إلى البحر، فيكون نارًا متأججة. وبينما هم على تلك الحال، تنشق الأرض انشقاقًا عظيمًا يمتد من الأرض السفلى، وهي السابعة، إلى السماء العليا، وهي السابعة. وبينما هم على تلك الحال، تأتي ريحٌ فتهلكهم جميعًا. روى ابن جرير هذا الحديث بهذه الصيغة. (الطبري ٢٤: ٢٣٧)


تحريك الجبال، وترك الإبل الحوامل، وجمع الوحوش البرية

بخصوص قول الله تعالى: "وَإِذَا زَيَّنَتْ الجُبَالُ"، أي أنها لن تبقى في أماكنها وستُدمَّر، ثم تُترك الأرض سهلاً منبسطاً. ثم يقول الله تعالى: "وَإِذَا هُجِرَتْ النُّجُورُ الْحَمَّلَةُ"، قال عكرمة ومجاهد: "النُّجُورُ حَمَّلَةٌ" (الطبري 24:240). وقال مجاهد: "الهُجِرَةُ هُجِرَةٌ" (الطبري 24:240). وقال أبي بن كعب والضحاك: "سيُهملها أصحابها" (الطبري 24:240). وقال الربيع بن خثيم: "لن تُحلب ولا تُربط، وسيتركها أصحابها مهجورة" (الطبري 24:240). وقال الضحاك: "لن تُترك إلا ولها من يرعاها". (الطبري 24:240) ومعنى كل هذه الأقوال متشابه.

المقصود أن الإيشار نوع من أنواع الإبل، بل هو أفضلها، وخاصة إناثها الحوامل عند بلوغها الشهر العاشر من الحمل. إحداها تُسمى إيشارا، وتبقى بهذا الاسم حتى تلد. لذلك سينشغل الناس عنها، فلا يعودون يهتمون بها ولا ينتفعون منها، بعد أن كانت أهم شيء عندهم. هذا بسبب ما سيُصيبهم فجأة من وضع عظيم ومُرعب ومُفزع. هذا هو أمر يوم القيامة، وتجمع أسبابه، ووقوع ما قبله. "وإذا حُشرت الوحوش"، أي حُشرت. وهذا كما يقول الله تعالى: "ما من دابة في الأرض ولا طير يطير بجناحيه إلا أمم مثلكم ما غفلنا من الكتاب ثم إلى ربهم حُشروا". (6:38) قال ابن عباس: «كل شيء سيُجمع، حتى الذباب». رواه ابن أبي حاتم. (القرطبي 19:229) ويقول الله تعالى أيضًا: «وَحَضَرَتْ الْطَيَّاتُ» (38:19)، أي: حُوْرَتْ.


احتراق البحار

قال الله تعالى: «وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ» (الطبري 24:242). وروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب أن عليًا قال لرجل يهودي: «أين جهنم؟» فقال الرجل: «في البحر». فقال علي: «أراه صادقًا، إذ يقول الله تعالى: «وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ» (52:6)، و«وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ»». وقد سبق تناول هذا في تفسير قول الله تعالى: «وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ» (52:6).


اتحاد الأرواح

في قوله تعالى: «وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ»، أي جُمِع كل صنف من النفوس مع نظيره أو قرينه. وهذا كما قال الله تعالى: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» و«احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ» (37:22).


استجواب الرضيعة التي دُفنت حية

يقول الله تعالى: "وَإِذَا سُئِلَتْ الْمُودَعَةُ حَيَةً بِأَيِّ إِثْمٍ قُتِلَتْ". وقد قرأها الجمهور على أنها سُولَةٌ، كما هو الحال هنا. والمُودَعَةُ هي الطفلة التي كان أهل الجاهلية يدفنونها في التراب بسبب كراهيتهم للبنات. ولذلك، في يوم القيامة، ستُسأل الطفلة عن الذنب الذي ارتكبته والذي أدى إلى قتلها. وسيكون هذا وسيلةً لترهيب قاتلها. فإذا سُئِلَتْ المظلومة، فماذا يظن الظالم؟ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "وَإِذَا سُئِلَتْ الْمُودَعَةُ حَيَةً بِأَيِّ إِثْمٍ قُتِلَتْ". وقال أبو الضحى قولاً مشابهاً: "ستسأل، أي ستطالب بفدية دمها". (الطبري ٢٤:٢٤٦) وقد ورد الأمر نفسه عن السدي وقتادة. ووردت أحاديث في المودة. روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها، عن جدامة بنت وهب، أخت عكاشة رضي الله عنها، أنها قالت: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع قوم فقال...»

«كدت أن أحرّم معاشرة النساء المرضعات، لكنني رأيت أن الروم والفرس يعاشرون نساءهم وهن يرضعن أطفالهن، ولا يضر ذلك الأطفال أبدًا.»

ثم سألوه عن مقاطعة الجماع لمنع دخول السائل المنوي للرجل إلى رحم المرأة، فقال:


"هذا هو قتل الأطفال الصغار، والطفلة التي تُدفن حية هي التي ستُسأل." (أحمد 6:434)

وقد روى هذا الحديث أيضًا كلٌّ من مسلم وابن ماجه وأبي داود والترمذي والنسائي. (مسلم 2:1066، ابن ماجه 1:648، أبو داود 3:211، تحفة الأحوذي 6:249، والنسائي في الكبرى 6:106)


الكفارة عن دفن الرضيعات على قيد الحياة

قال عبد الرزاق إن إسرائيل أخبرهم عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في قول الله تعالى: «وَإِذَا سُئِلَتْ الْمُدْفَعَةُ حَيَّةً». جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني دفنت بعض بناتي حَيَّاتٍ في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أعتقوا عن كل واحد منهم رقبة». (عبد الرزاق 3:351) 

فقال قيس: يا رسول الله، إني مالك إبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«ثم اذبحوا جملًا عن كل واحد منهم.»


توزيع الصفحات

يقول الله تعالى: «وإذا الصحف نشرت». قال الضحاك: «يُعطى كل امرئ صحيفته بيمينه أو بشماله». وقال قتادة: «يا ابن آدم، كُتب فيها، ثم طُويت، ثم تُعطى لك يوم القيامة. فلينظر كل امرئ إلى ما أملاه بنفسه ليُكتب في صحيفته». (الطبري 24:249)


إزالة السماوات، وإشعال نار جهنم، وتقريب الجنة

يقول الله تعالى: "وَإِذَا السَّمَاءُ كَشِيطَتْ"، قال مجاهد: "انْزَفَتْ" (الطبري ٢٤: ٢٤٩). وقال السدي: "انْزَفَتْ". وفي قول الله تعالى: "وَإِذَا جَرَحَتْ سُيرَاتٌ"، قال السدي: "هِيَ مُسْتَحَمَّةٌ". وفي إشارة إلى قول الله تعالى: "وَإِذَا قُرِّبَتْ الْجَنَّةُ"، قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خثيم: "هذا يعني أنها ستُقَرِّبُ إلى أهلها".


سيعلم الجميع ما جاء به يوم القيامة بخصوص

قول الله: «كل امرئ بما أحضر». وهذا هو الجواب الحاسم على الأقوال السابقة؛ أي إنه عندما تقع هذه الأمور، ستعرف كل نفس ما فعلته، وسيُحضَر لها ذلك، كما يقول الله: «يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا» (3:30). ويقول الله أيضًا: «ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر» (75:13).


{15. بل أقسم بالخُنَّس.

16. Al-Jawar Al-Kunnas.

17. وفي الليل عندما يكون آساس.

18. وبالليل إذا عسعس.

19. حقاً، هذا هو الكلام، رسول كريم للغاية.

20. ذي قوّة، مع رب العرش - ماكين،

21. مطيع هناك، جدير بالثقة.

22. وما صاحبكم بمجنون.

23. وبالفعل رآه في الأفق الصافي.

24. ولا يضنّ بعلم الغيب.

25. وما هو بقول الشيطان الرجيم.

26. إلى أين أنت ذاهب إذن؟

27. حقاً، هذا ليس أقل من تذكير للمخلوقات.

28. لمن شاء منكم أن يستقيم.

29. ولا تشاؤون إلا أن يشاء الله، رب العالمين.}

شرح كلمتي الخُنّس والكُنّس


روى مسلم في صحيحه، والنسائي في تفسيره، في تفسير هذه الآية، عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال: «صليت صلاة الصبح خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: «بلى أقسم بالخناس والجوار الخناس، وبالليل إذا صار، وبالنهار إذا صار» (مسلم ١: ٣٣٦، والنسائي في الكبرى ٦: ٥٠٧). وروى ابن جرير عن خالد بن عرّارة رضي الله عنه أنه سمع عليًا رضي الله عنه يُسأل عن الآية: «بلى أقسم بالخناس والجوار الخناس»، فقال: «هذه هي النجوم التي تغيب في النهار وتجري في الليل» (الطبري ٢٤: ٢٥١).


بخصوص قول الله تعالى: "وَاللَّيْنِ إِذَا عَسَىٰ"، هناك رأيان في هذا القول. أحدهما أنه يشير إلى تقدمه بظلامه. قال مجاهد: "أي إظلامه". وقال سعيد بن جبير: "إِذَا بَيْسَتْ". وقال الحسن البصري: "إِذَا كَانَ يُغْطِي النَّاسَ" (الطبري ٢٤: ٢٥٦). وقاله أيضًا عطية العوفي (الطبري ٢٤: ٢٥٦). وروى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: "إِذَا عَسَىٰ". "أي إِذَا كَانَ يُغْفِرُ" (الطبري ٢٤: ٢٥٥). وقال مجاهد وقتادة والضحاك جميعًا نفس القول. (الطبري 24:256) وقد أدلى زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن بتصريح مماثل، إذ قالا: "إذا انصرفت" أي "إذا انصرفت، ثم انصرفت". (الطبري 24:256)


أعتقد أن المقصود بقول الله تعالى: "إِذَا أَسْرَى" هو اقترابه، مع أن استخدام هذه الكلمة صحيحٌ أيضاً بمعنى ابتعاده. إلا أن استخدام "الاقتراب" هنا أنسب. فكأن الله يُقسم بالليل وظلامه حين يقترب، وبالصباح ونوره حين يُشرق من المشرق. وهذا ما قاله الله تعالى: "وَالْبَيَّنْ فَإِذَا غَفَلَ * وَالنَّهَارَ إِذَا ظَهَرَ" (92: 1-2)، وقال أيضاً: "وَالْغَيِّرَ * وَالْبَيَّنَارَ إِذَا أَخَبَرَ" (93: 1-2)، وقال أيضاً: "وَفَصْرَ الْفَجْرِ * جَعَلَ اللَّيْلِ سَكَانَ لَسْرَى" (6: 96). وهناك آيات أخرى مشابهة تُشير إلى هذا المعنى. وقد ذكر كثير من علماء أصول اللغة أن كلمة "آسَى" تُستخدم بمعنى التقدم والابتعاد، وكلا المعنيين يشتركان في الكلمة نفسها.

لذلك يصح أن يكون المقصود كلاهما، والله أعلم.


أما بخصوص قول الله تعالى: "وَيَوْمَ يَتَنَافِسُ"، فقد قال الضحاك: "وَإِذَا تَشَوَّهُ". وقال قتادة: "وَإِذَا تَسْتَطْلُقُ وَتَطَوَّرُ". (الطبري 24:258)

نزل جبريل مع القرآن، وليس ذلك نتيجة جنون يتعلق بـ

قول الله تعالى: "إن هذا كلام رسول كريم"، يعني أن هذا القرآن يُبلّغ بواسطة رسول كريم، وهو يشير إلى ملك كريم، حسن الخلق وذو مظهر مشرق، وهو جبريل.


قال هذا ابن عباس، والشابي، وميمون بن مهران، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك، وغيرهم. (القرطبي ١٩: ٢٤٠) «ذي قوة» يشبه قول الله تعالى: «تَعَلَّمَ مِن عَظِيمٍ عَظِيمٍ ذُو مَرَّة» (٥٣: ٥-٦)، أي عظيم الخلق، عظيم القوة، عظيم العمل. «مع رب العرش» يعني أنه ذو مكانة رفيعة ومنزلة عالية عند الله. «أُطِيعَ هُنا» يعني أنه ذو هيبة، يُستمع إلى كلمته، ويُطاع بين أعلى الملأ (من الملائكة). قال قتادة: «أطاع هناك». وهذا يعني في السماوات. فهو ليس من الملائكة العاديين، بل هو من الملائكة العظام ذوي المكانة الرفيعة. إنه مُبجّل ومُختار لتبليغ هذه الرسالة العظيمة. ثم يقول الله تعالى: «أمين». وهذا وصف لجبريل بأنه أمين. وهذا أمر عظيم، أن الله تعالى قد أثنى على عبده ورسوله جبريل، كما أثنى على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بقوله تعالى: «وَمَا صَالِحُكَ لَمْ يَجْنِبُكَ». وقد قال الشبي وميمون بن مهران وأبو صالح وغيرهم ممن سبق ذكرهم: «هذا يُشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم». (الطبري ٢٤: ٢٥٩)


قال الله: «ولقد رآه بالأفق المبين»، أي إن محمدًا رأى جبريل الذي جاءه بالرسالة من عند الله، على الهيئة التي خلقه الله عليها (أي على صورته الحقيقية)، وله ستمائة جناح. و«بالأفق المبين» أي الواضح. وهذا يشير إلى الرؤية الأولى التي وقعت بالأبطح في مكة. وقد ورد ذكر هذه الحادثة في قول الله تعالى: «علّمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى» (53:5-10). وقد سبق بيان ذلك وتأكيده، كما سبق ذكر الدليل على أن المقصود هو جبريل. ويبدو – والله أعلم – أن هذه السورة (التكوير) نزلت قبل الإسراء، إذ لم يرد فيها سوى هذه الرؤية (لجبريل)، وهي الرؤية الأولى. أما الرؤية الثانية فقد وردت في قول الله تعالى: «ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى» (53:13-16). وهذه الآيات لم ترد إلا في سورة النجم التي نزلت بعد سورة الإسراء.


النبي ليس بخيلاً في تبليغ الوحي.

«وما هو على الغيب بضنين» أي إن محمدا لا يتبع الظن الباطل فيما أوحاه الله إليه. وقد قرأ آخرون هذه الآية بحرف الضاد في كلمة «ضنين»، ومعناها أنه ليس ببخيل، بل يبلّغ ذلك للجميع.


قال سفيان بن عيينة: "الزنين والدنين كلاهما واحد المعنى، أي أنه ليس كاذباً ولا شريراً آثماً. والزنين هو من يتبع الظن الباطل، والدنين هو من يبخل." (الطبري 24:261)


قال قتادة: «كان القرآن غيباً فأنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم فلم يمنعه عن الناس، بل بشر به وأبلغه وعرضه على كل من أراده». (الطبري ٢٤: ٢٦١) وقد ذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أقوالاً مشابهة. وفضل ابن جرير قراءة «دنين». (الطبري ٢٤: ٢٦٠) وأقول إن كلا القراءتين قد ثبتت بروايات عديدة، ومعناها صحيح في كليهما، كما ذكرنا سابقاً.


القرآن تذكرة للعالمين، وليس وحيًا من الشيطان

يقول الله تعالى: "وَمَا هُوَ كَلِمَةُ الشَّيْطَانِ الْمُنْفَذِ"، أي أن هذا القرآن ليس من كلام شيطانٍ منبوذ. وهذا يعني أنه لا يستطيع أن يُخرجه، ولا يليق به أن يفعل. وهذا ما قاله الله تعالى: "وَمَا الشَّيْطَانُ نَزَّلُوهُ وَمَا يُرِيدُهُمُ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا بِغَيْرِ سُمِعْهِ" (الأنعام: 210-212). ثم يقول الله تعالى: "فأَنْ تَذْهَبُونَ؟" أي أين ذهب عقلكم في رفض هذا القرآن، مع أنه واضح جليّ وجلي أنه الحق من الله. وهذا ما قاله أبو بكر الصديق لجماعة بني حنيفة حين أتوه مسلمين فأمرهم أن يقرأوا (شيئًا من القرآن). فتلا عليه شيئًا مما يُسمى قرآن مسيلمة الكذاب، وكان كلامًا ركيكًا لا معنى له. فقال أبو بكر: «ويل لكم! أين ذهبت عقولكم؟ والله، ما جاء هذا الكلام من إله!» فقال قتادة: «فأين تذهبون؟» أي: من كتاب الله وطاعته.


ثم يقول الله تعالى: "إن هذا ليس إلا ذكراً للخلق"، أي أن هذا القرآن تذكير للبشرية جمعاء، يُذكِّرون به ويستقون منه العون. "لمن شاء منكم أن يسلك مستقيماً"، أي أن من أراد الهداية فعليه التمسك بهذا القرآن، فهو خلاصه وهدايته، ولا هدى سواه. "ولا تريدون إلا أن يشاء الله رب العالمين"، أي أن الإرادة ليست لكم جميعاً، فمن أراد الهداية هُدي، ومن أراد الضلال ضل، بل كل ذلك بمشيئة الله تعالى، وهو رب العالمين. وقد رُوي عن سليمان بن موسى رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية: "لمن شاء منكم أن يسلك مستقيماً".


قال أبو جهل: «الأمر لنا، إن شئنا استقمنا، وإن لم نرغب لم نستقم». فأنزل الله تعالى: «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْمَسْكُونَ» (الطبري ٢٤: ٢٦٤) [رواية مرسلة].

هذا هو ختام تفسير سورة التكوير، والحمد والشكر لله.

تفسير ابن كثير (مختصر) المجلد 10 الصفحات 370-387



خلف