عن ذي القرنين
يقول الله تعالى:
{ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة أو حامية ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا} (الكهف، 83-98)
هل كان نبياً؟
أثنى الله تعالى على ذي القرنين في القرآن الكريم لعدله. فقد حكم المشرق والمغرب، ومناطق عديدة أخضع فيها شعوبها وحكمها بالعدل التام. والرأي الأرجح أنه كان ملكًا فحسب.
وقيل أيضًا إنه كان نبيًا أو رسولًا. أما الرأي الأبعد احتمالًا فيه، فهو أنه كان مَلَكًا. وقد رُوي هذا الأخير عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، إذ سمع رجلًا ينادي آخر قائلًا: يا ذا القرنين! فقال (عمر): اسكت! أما كفاكم أن تسمّوا أنفسكم بأسماء الأنبياء، حتى تتسمّوا بأسماء الملائكة؟
ورد عن عبد الله بن عمرو قوله: كان ذو القرنين نبيًا. وفي المقابل، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أدري هل كانت طوبى ملعونة أم لا؟ وما أدري هل كانت الحدود كفارة لقومها أم لا؟ وما أدري هل كان ذو القرنين نبيًا أم لا؟» (هذا حديث غريب عجيب).
وفي رواية أخرى، روى ابن عباس (رضي الله عنه) أن ذي القرنين كان ملكاً صالحاً أثنى الله على عمله في كتاب الله (القرآن الكريم)؛ وقد نصر؛ وكان الخضر وزيره وقائد جيشه ومستشاره.
ذكر الأزرقي وآخرون أن ذا القرنين أسلم على يد إبراهيم عليه السلام، وأنه طاف معه ومع ابنه إسماعيل عليهما السلام حول الكعبة. ورُوي أيضًا عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وآخرين أن ذا القرنين انطلق ماشيًا لأداء الحج. فلما سمع إبراهيم عليه السلام بذلك، رحّب به ودعا الله له وأوصاه. كما سخّر الله تعالى لذي القرنين السحاب، فكان يحمله إلى حيث يشاء. والله أعلم!
لماذا أطلق عليه اسم "ذو القرنين" (أي صاحب القرنين)؟
هذه مسألة خلافية، ولا يوجد سبب مؤكد معروف لها. قال بعضهم: كان على رأسه شيء يشبه القرنين. وقال وهب بن منبه: كان على رأسه قرنان من نحاس. (وهذا التفسير ضعيف جدًا)
قال بعض علماء أهل الكتاب (المسيحيين واليهود): ذلك لأنه حكم أراضي فارس والرومان. وقيل أيضًا: إنه بلغ طلوع الشمس من الشرق، وبلغ طلوعها من الغرب، وحكم ما بينهما. (وهذا الأخير هو الأرجح، وهو قول الزهري).
قال الحسن البصري: كانت له ضفيرتان من الشعر يطويهما، ولذلك سُمّي «ذا القرنين». وروى إسحاق بن بشر عن جد عمر بن شعيب أن ذا القرنين دعا ذات مرة ملكًا جبارًا إلى سبيل الله، فضربه الملك على رأسه فكسر أحد قرنيه. ثم دعاه ذو القرنين مرة أخرى، فكسر الجبار القرن الآخر. ولذلك سُمّي «ذا القرنين».
روى الثوري أن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) سُئل ذات مرة عن ذي القرنين، فقال: كان رجلًا صالحًا مهتديًا. دعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه (جانب رأسه) فقتلوه. فأحياه الله تعالى، فدعاهم مرة أخرى، فضربوه على قرنه الثاني فقتلوه (للمرة الثانية). فأحياه الله تعالى، ولذلك سُمّي «ذا القرنين». وفي روايات أخرى، روى أبو الطفيل عن علي بن أبي طالب أنه قال: لم يكن نبيًا ولا رسولًا ولا ملكًا، بل كان عبدًا صالحًا تقيًا لله.
ما اسمه؟
Scholars disagreed regarding his name. Az Zubair Ibn Bakkar narrated after Abdullah Ibn, Abbas (May Allah be pleased with him): His name was Abdullah IbnAd-Dahhak Ibn Mad; or Musab Ibn Abdullah Ibn Qinan Ibn Mansur Ibn Abdullah Ibn Al-Azd Ibn Ghauth Ibn Nabt Ibn Malik Ibn Zaid Ibn Kahlan Ibn Saba Ibn Qahtan.
ورد في حديث أنه كان من قبيلة حمير، وأن أمه كانت رومية، وكان يُلقّب بالفيلسوف لرجاحة عقله. غير أن السهيلي قال إن اسمه كان مرزبان بن مرزبة. وقد ذكر ذلك ابن هشام، وذكر في موضع آخر أن اسمه كان الصعب بن ذي مرائد، وهو جد التبابعة، وهو الذي حكم لصالح إبراهيم (عليه السلام) في شأن بئر الصعب.
قيل: هو أفردون بن أسفيان الذي قتل الضحاك. قال القص بن سعيدة العيادي في خطبته الشهيرة: يا أهل عياض بن السبع! لقد حكم ذو القرنين الغرب والشرق، وأخضع الجن والإنس، وعاش ألفي عام. ولكن كل هذا كان كلمح البصر.
ذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه كان هرمس، أو هرويس بن قيطون بن رومي بن لانطي بن كاشوخين بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام، والله أعلم!
روى إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قوله: كان الإسكندر هو ذا القرنين، وكان أبوه أول قيصر، وكان من ذرية سام بن نوح (عليه السلام).
ينبغي عند هذا الافتراض التمييز بين شخصين لُقّبا بذي القرنين. الأول ذو القرنين الصالح، أما الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن ميتون بن رومي بن لانتي بن يونان بن يافث بن يونه بن شرخون بن روماه بن شرفات بن طفيل بن رومي بن الأصفر بن يقظ بن اليس بن إسحاق بن إبراهيم (عليه السلام). وقد ذكر هذا النسب الحافظ ابن عساكر في تاريخه. وكان هذا الإسكندر قائدا مقدونيا ويونانيا ومصريا، أسس الإسكندرية، واتخذ الرومان التقويم الذي وضعه أساسا لتقويمهم. وقد جاء بعد ذي القرنين الأول بمدة طويلة جدا، وذلك قبل المسيح (عليه السلام) بثلاثمئة سنة. وكان وزيره الفيلسوف الشهير أرسطاطاليس. وهو أيضا من قتل دارا بن دارا، وأخضع ملوك الفرس واستولى على أراضيهم. وقد لفتنا انتباه القراء إلى هذا الأمر لأن كثيرا من الناس يظنون أن الرجلين اللذين لُقّبا بذي القرنين هما شخص واحد، وهذا خطأ كبير، إذ كانت بينهما اختلافات عظيمة. كان الأول عبدا صالحا تقيا لله تعالى، وملكا عادلا وزيره الرجل الصالح الخضر. بل ذكر بعض العلماء أنه كان نبيا أيضا. أما الثاني فكان مشركا، ووزيره فيلسوف كما تقدم. وإضافة إلى ذلك، فقد زادت المدة الفاصلة بينهما على ألفي سنة. ولا يدرك عظم الاختلاف والتباين بينهما إلا جاهل أحمق لا يعلم شيئا على الإطلاق!
نزل قول الله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين} لأن قريشًا سألت اليهود عن أمر يسألون عنه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لاختبار علمه. فقال لهم اليهود: اسألوه عن رجل جاب الأرض، وعن فتية خرجوا ولا يُعرف ما حلّ بهم. عندئذٍ أنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين. فقال: {قل سأتلو عليكم منه ذكرًا}، أي خبرًا كافيًا ووافيًا عنه وعن مكانته. ثم قال: {إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببًا}، أي إن الله تعالى وسّع ملكه ومنحه ما يمكّنه من بلوغ ما أراد. وروى قتيبة أن علي بن أبي طالب سُئل ذات مرة عن ذي القرنين: كيف استطاع بلوغ المشرق والمغرب؟ فأجاب علي: سُخّرت له السحاب، وأُوتي الأسباب، ومُدّ له في النور. ثم قال علي: أأزيدكم؟ فسكت الرجل، فسكت علي (رضي الله عنه).
روى أبو إسحاق السبيعي عن عمرو بن عبد الله الودائي: سمعت معاوية يقول: أربعة رجال حكموا الأرض: سليمان بن داود النبي (صلى الله عليه وسلم)، وذو القرنين، ورجل من أهل حلوان، ورجل آخر. فقال قائل: أهو الخضر؟ قال معاوية: لا.
روى الزبير بن بكّار أن سفيان الثوري قال: بلغني أن أربعة أشخاص حكموا الأرض كلها؛ كان اثنان منهم مؤمنين والآخران كافرين. أما المؤمنان فهما النبي سليمان وذو القرنين، وأما الكافران فهما نمرود وبختنصر». وروى سعيد بن بشير مثل ذلك.
روى إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن أنه قال: «كان ذو القرنين ملكًا بعد نمرود. وكان مسلمًا تقيًا صالحًا، سار شرقًا وغربًا. وأطال الله تعالى عمره، ونصره على أعدائه ومكّنه من الاستيلاء على أموالهم. فتح البلاد وأخضع أهلها، وسار في الأرض حتى بلغ المشرق والمغرب. يقول الله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرًا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببًا}، أي علمًا بالأسباب التي يُتوصّل بها إلى تحقيق الأمور. وقال ابن إسحاق: زعم مقاتل أنه كان يفتح البلاد ويجمع الكنوز، ويخيّر الناس بين أمرين: أن يدخلوا في دينه ويتبعوه، أو يُقتلوا».
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعبيد بن يعلى والسدي وقتادة والضحاك: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} أي علمًا. وقال قتادة ومطر الوراق: يعني معالم الأرض ومواقعها ومراحلها وآثارها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني اللغات، إذ لم يكن يفتح بلدًا إلا خاطب أهله أولًا بلغتهم. والأرجح والأصح أنه كان يعرف الوسائل التي يستطيع بها تلبية حاجته أو بلوغ غايته. فقد كان يأخذ من كل إقليم يفتحه ما يمكّنه من الاستيلاء على الإقليم الذي يليه، وهكذا.
ذكر بعض علماء أهل الكتاب (من المسيحيين واليهود) أنه قضى ألفًا وستمائة عام يجوب الأرض داعيًا الناس إلى عبادة الله عز وجل الذي لا شريك له في ملكه. ولكن يبدو أن في تحديد هذه المدة الطويلة مبالغة، والله أعلم.
قال الله تعالى: {فَاتَّبَعَ طَرِيقَةً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مِغْرَبَ الشَّمْسِ}، أي أنه بلغ الموضع الذي لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، ووقف على حافة المحيط الغربي المسمى أوقيانوس، حيث تقع الجزر المسماة الخالدات. وهناك، كان بإمكانه أن يرى غروب الشمس. {فَجَدَهَا مَغْرَبَةً فِي عَقَبٍ سَوْرَادٍ}، أي البحر أو المحيط، كما يرى الواقف على الشاطئ الشمس كما لو كانت تشرق من البحر وتغرب فيه. ولذلك قال {فَجَدَهَا}، أي كما ظن.
روى الإمام أحمد عن يزيد بن حمن عن العوام بن حوشب قال: أخبرني مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غربت فقال: «في نار الله المتقدة، لولا منعها بأمر الله لأحرقت ما في الأرض». (هذا الحديث غريب ومريب، وهو ليس صحيحاً).
ذو القرنين يسعى إلى عين الحياة:
روى ابن عساكر حديثًا مطولًا فيه: كان لذو القرنين صديق من الملائكة يُدعى رنقيل. فسأله ذو القرنين: هل تعرف مكانًا على الأرض يُسمى "عين الحياة"؟ فوصفه له الملك. فانطلق ذو القرنين باحثًا عنها، واختار الخضر مبشرًا له. فوجدها الخضر في أرض الظلمات، فشرب منها. لكن ذو القرنين لم يبلغها. ثم التقى ذو القرنين بمجموعة من الملائكة في قصر هناك، فأعطوه حجرًا. فلما عاد إلى جيشه، سأل العلماء: ضعوه في ميزان، ثم ضعوا عليه ألف حجر آخر مثله (وزنًا وشكلًا). فمال الميزان الذي فيه الحجر الأول. فسأل الخضر: ضعوا في الميزان الآخر حجرًا واحدًا وقبضة من التراب الجاف. فمال ميزان الخضر هذه المرة. ثم علّق قائلاً: "هذا مثل ابن آدم، لا يهدأ له بال حتى يُدفن". عندئذٍ سجد له العلماء إجلالاً وتوقيراً، والله أعلم.
ثم يخبرنا الله تعالى أن ذي القرنين أصدر أحكاماً تتعلق بأهل تلك المنطقة {قلنا (الله) (بالإلهام): "يا ذي القرنين إما أن تعذبهم أو تعاملهم برحمة". قال: "أما من ظلم فسنعذبه، ثم يُرد إلى ربه فيعذبه عذابًا شديدًا (جهنم)"، أي أنه يذوق العذاب في الدنيا والآخرة. بدأ بعذاب الدنيا لأنه أشدّ على الكافر. {وأما من آمن وعمل صالحًا فله أفضل الأجر، ونقول له لُطفًا}، حيث بدأ بأجر الآخرة وهو الأهم، وأضاف إليه اللطف، أي العدل والعلم والإيمان. يقول الله تعالى: {ثم سلك سبيلًا آخر}، أي أنه سلك سبيلًا للعودة من المغرب إلى المشرق. ويقول البعض إنه استغرق اثنتي عشرة سنة للعودة إلى المشرق. {حتى إذا جاء مطلع الشمس وجدها مشرقة على قومٌ لم نُهيئ لهم مأوىً من الشمس، أي ليس لهم بيوتٌ ولا مأوىً يحميهم من حرارة الشمس الحارقة. يقول بعض العلماء: كانوا يلجؤون إلى الخنادق المحفورة في الأرض ليحتموا بها من أشعة الشمس الحارقة. ثم يقول الله تعالى: {كذلك وعرفنا به كل شيء}، أي أن الله يعلم كل شيء عن شؤونه؛ فهو يحفظه ويرعاه في أسفاره في الأرض من مغربها إلى شرقها وبالعكس.
رُوي عن عبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وغيرهما، أن ذي القرنين حجّ ماشيًا. فلما سمع إبراهيم عليه السلام بذلك، لقيه، فدعا الله له، ونصحه. وقيل أيضًا إنه أُتي به فرس ليركبه، فقال: لا أركب في أرضٍ ركبها النبي إبراهيم عليه السلام. فسخّر الله تعالى له السحاب، وبشّره إبراهيم عليه السلام بذلك. وكان السحاب يحمله حيث يشاء. يقول الله تعالى: {ثم اتبع سبيلًا حتى إذا جاء بين جبلين وجد من بين أيديهما قومًا لا يكادون يفقهون كلمة}، أي كانوا جاهلين. وقيل إنهم الأتراك، أبناء عمومة يأجوج ومأجوج. لكنهم أخبروه أن يأجوج ومأجوج قد ظلموهم وأفسدوا أرضهم. وعرضوا عليه جزيةً مقابل بناء سدٍّ يمنعهم من غزوهم. رفض ذو القرنين الجزية التي عرضوها عليه، مكتفيًا بما أعطاه الله تعالى، فقال: «ما أقامني فيه ربي خير من جزيتكم». ثم طلب منهم أن يأتوا إليه رجالًا وأدوات ليقيموا الحاجز بينهما. لم يكن بإمكان يأجوج ومأجوج الوصول إليهما إلا من ذلك المكان الواقع بين جبلين شاهقين. أما الطرق الأخرى فكانت إما بحارًا واسعة أو جبالًا شاهقة. لذلك، أقامه من الحديد والنحاس المصهور: وضع الحديد بدلًا من الطوب والنحاس المصهور بدلًا من الطين. وعلق الله تعالى قائلًا: «فلم يستطيعوا تسلقه بالسلالم المتحركة، ولا الحفر فيه بالفؤوس أو المعاول». قال ذو القرنين: «هذه رحمة من ربي». أي أن الله تعالى قدّر أن يكون هذا رحمة منه لعباده، فلم يعودوا يتعرضون لهجوم يأجوج ومأجوج. {ولكن إذا جاء وعد ربي}، أي الوقت الذي قرر فيه أن يهدمه يأجوج ومأجوج ويخرجوا يهاجمون البشرية قرب الساعة، {فسيهدمه إلى الأرض}، فسيحدث هذا حتماً. كما قال تعالى: {وكان وعد ربي حقاً}، و{حتى إذا أُطلق يأجوج ومأجوج من كل جرف واقترب الوعد الحق، ثم ترى عيون الكافرين تحدق رعباً، ويل لنا إنا كنا غافلين من ذلك، بل كنا ظالمين}. (الأنبياء، 96، 97) يقول الله تعالى: {سنتركهم يتدفقون كالأمواج} أي يوم يخرج يأجوج ومأجوج، {وينفخ في الصور فنجمعهم جميعاً}.
روى أبو داود الطيالسي عن الثوري أنه قال: بلغني أن أول من صافح غيره هو ذو القرنين. وروي أيضًا عن كعب الأحبار أنه قال لمعاوية: إن ذا القرنين، وهو على فراش موته، أوصى أمه أن تُعدّ الطعام بعد وفاته، وتجمع نساء المدينة وتدعوهن إلى الأكل، إلا من فقدت ولدًا من أولادها فلا تأكل. فعلت أمه ما أوصاها به، فلم تمدّ أيٌّ منهن يدها إلى الطعام. فقالت: سبحان الله! أكلّكن فقد أولادهن؟ فأجبن: والله، نعم. وكان ذلك عزاءً عظيمًا لها.
ذكر إسحاق، بعد بشر بن عبد الله بن زياد، بعد بعض أهل الكتاب (النصارى واليهود)، وصية ذي القرنين، وهي نصيحة بليغة ومطولة، وأنه توفي عن عمر يناهز ثلاثة آلاف عام. (وهذا أمر غريب ومثير للدهشة).
قال ابن عساكر: أُخبرتُ أنه عاش نحو ستة وثلاثين عامًا. وقال آخرون: عاش اثنين وثلاثين عامًا، وأنه جاء بعد داود عليه السلام بسبعمائة وأربعين عامًا. وجاء بعد آدم عليه السلام بخمسة آلاف ومائة وواحد وثمانين عامًا، وأن حكمه دام ستة عشر عامًا. ولكن ما رواه صحيحٌ فيما يخص الإسكندر المقدوني، وليس ذي القرنين. فقد خلط بين الأول والثاني، وهذا خطأٌ بيّن.
كان من بين الذين خلطوا بينهما وأعلنوا أنهما واحد، الإمام عبد الملك بن هشام (راوي السيرة النبوية)، وهو ما أنكره الحافظ أبو القاسم السهيلي ورفضه. فقد فند أقواله بشدة ووضع حدودًا واضحة بين الشخصين كما ذُكر سابقًا. قال: لعل بعض الملوك السابقين سمّوا أنفسهم "ذوي القرنين" اقتداءً بأولهم الحق؛ والله أعلم!
من بالاغا
